حين بات “المخيم” حلمًا!

كتابة: علي الكردي

هل قدر الفلسطيني –أينما وُجد- أن يظل الضحية، وحمّال الآسية؟! وهل قدره أن يظل حاملًا صفة اللاجئ في بلدان الشتات، وداخل أرضه المحتلة؟! وهل مُقّدر عليه، جيلًا بعد جيل، أن تتجدد مأساته، فيحمل صفة النازح والمهجّر إلى جانب الصفة الأساس التي التصقت به منذ ما ينوف عن ستة عقود؟!

الشتات، وداخل أرضه المحتلة؟! وهل مُقّدر عليه، جيلًا بعد جيل، أن تتجدد مأساته، فيحمل صفة النازح والمهجّر إلى جانب الصفة الأساس التي التصقت به منذ ما ينوف عن ستة عقود؟!

بات (المخيم)، كمكان، عنوان انتظار طويل ومضنٍ للفلسطيني اللاجئ، حتى يتحقق حلم العودة، بيد أن هذا المخيم الذي صار للاجئ فيه بيت وذكريات ومرتع طفولة وأمنيات، تحمل جدران أزقته شعارات أحلامه، وتحتضن ملصقات شهدائه وقبورهم. هذا المخيم بات اليوم حلمًا جديدًا، يتوق اللاجئ (المهجر أو النازح) العودة إليه، حيث تختلط المشاعر، وتلتبس مفردات الحلم: هل نعود إلى فلسطين! أم نحلم بالعودة إلى المخيم، عنوان انتظارنا الطويل؟!

لا يكفّ اللاجئ الفلسطيني عن الحلم بالعودة إلى الرحم الأساس. العودة إلى أرض الوطن المغتصب. أرض الآباء والأجداد. لقد تعب من اغترابه، وأرهقته صفة “الضيف” التي تصفع وجهه عند كل منعطف، وأمام كل حدث في بيوت الأشقاء، واللائحة تطول. إذا ما أردنا أن نعدّد تلك المنعطفات، فالمآسي تجرّ المآسي، والذاكرة مثقلة بالآلام والأحزان. من مخيم تل الزعتر إلى صبرا وشاتيلا.. إلى مخيم جنين وعين الحلوة.. ونهر البارد.. إلى مخيم اليرموك وخان الشيح ودرعا، وغيرها من أحداث في العراق والكويت وليبيا… حيث لا أمان ولا استقرار.

مملكة النساء

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان العادي، فكيف إذا كان لاجئًا ونازحًا في آنٍ؟ لكنك لحسن الحظ أيها اللاجئ، أنت مثل العنقاء في كل مرة تخرج من الرماد، شامخًا، قويًا متجددًا، وهنا يحضرني فيلم (مملكة النساء)، الذي يروي بطولة نساء فلسطينيات في مخيم عين الحلوة، وجدن أنفسهن يقفن وحيدات على أطلال المخيم، بعد أن دمرته جرّافات الاحتلال، إبان الاجتياح الاسرائيلي بين 1982-1984.

علي الكردي

تختلف هذه التجربة عن مثيلاتها في حياة الفلسطينيين، بأنها التجربة الوحيدة التي خاضتها النساء، بمعزل عن وجود الرجل الذي غاب تمامًا عن المخيم بشكل قسري، حيث عمد العدو إلى اعتقال الرجال، من عمر الثانية عشر إلى عمر الستين.

يغوص الفيلم في مخزون ذاكرة سيدات عين الحلوة (الحلوات)، اللواتي قاومن بشجاعة نادرة الظروف والأوضاع الصعبة التي واجهت المخيم، سواء أثناء الاجتياح، أو في الفترة التي تلته، أي فترة الاحتلال، التي تميزت بوجود جميع رجال المخيم في معتقل (أنصار)، وتدمير المخيم بالكامل، والهجرة الجماعية والقسرية عنه، مع انقطاع كل موارد الرزق التي تعتمد عليها العائلة، وما شاب المستقبل من غموض منذر بأوخم العواقب.. في ظل تلك المعطيات التي كانت تبعث على اليأس، وجد أولئك النسوة أنفسهن دون معيل، واضطررن للخروج بحثًا عن عمل يساعد على بقاء العائلة، وأولئك الشابات الصغيرات اللواتي تخلّين عن أحلام الصبا. انبعثت في دواخلهن إرادة الحياة وقوة التحدي، وواجهن الواقع الأليم، وصممن على إعادة بناء المخيم المدمّر، حجرًا حجرًا، وبيتًا بيتًا، وساند بعضهن البعض، وعملن في مجالات لم يخضنها من قبل. حملن على أكتافهن صفائح الباطون و (البلوك)، ووقفت كل واحدة منهن على أنقاض بيتها، تستعيد صورته كما كانت: هنا الباب، وهنا الشباك والحاكورة، وهكذا أعدن بناء البيوت كما كانت، إلى أن نهض المخيم من أنقاضه، شامخًا فخورًا ببطولة أولئك النسوة اللواتي أطلق عليهن أحد الصحفيين الأجانب (مملكة النساء). يروي الفيلم بشاعرية وجلال حكايات تلك البطولة الاستثنائية، وتجارب نساء (عين الحلوة) اللواتي صنعن حياة من اللاحياة، وشيّدن فوق الأنقاض بيوتًا للحياة والأمل.

التغريبة الثانية

مشهد نزوح آلاف العائلات من مخيم اليرموك، تحت وابل القصف والقذائف والدمار، كان مشهدًا داميًا حفرَ وشمًا عميقًا في ذاكرة اللجوء، يُذكّر بالتغريبة الفلسطينية الأولى. آلاف النساء والأطفال والشيوخ، لمّوا على عجل ما تيسر لهم من حاجات بسيطة، وهاموا على وجوههم في الشوارع والحدائق والأرصفة، والمخيم الذي كان حتى وقت قريب ملاذًا آمنًا للكثيرين، تحول سكانه بين ليلة وضحاها إلى لاجئين ومهجرين ونازحين في تغريبتهم الثانية، دون أن يجدوا من يمد لهم يد العون أو المساعدة.

كان اللاجئون الفلسطينيون في سورية بأفضل حالاتهم، بالمقارنة مع أوضاع اللاجئين في دول الجوار، وفجأة مع أول حدث مزلزلٍ يكتشفون التباس هويتهم، وصعوبة التعبير عن أنفسهم، وتحديد موقفهم: هل هم جزء لا يتجزأ من النسيج السوري، وبالتالي عليهم الانخراط بالحراك الجاري، أم هم مجرد ضيوف عليهم احترام أصول الضيافة؟!

بطبيعة الحال، كان من الصعب الإجابة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، لا سيما أن الذاكرة الجماعية للفلسطينيين مثقلة بآلام وتجارب الماضي، والتداعيات السلبية لتدخلهم في الشأن الداخلي للدول المضيفة، كونهم الحلقة الأضعف التي ستدفع أثمانًا باهظة لأي موقف، ولأنهم مثل أي مجموعة بشرية أقلوية لهم خصوصيتهم وهواجسهم وقضيتهم، كان من الصعب عليهم الوصول إلى إجماع حول موقف ما، رغم أن المزاج العام بأغلبيته كان متعاطفًا مع الحراك السلمي، والخوف في آنٍ معًا على هذا البلد الجميل من التشظي والدمار، مع دخوله مرحلة العنف المسلح الذي لن يفضي إلا إلى مزيد من الضعف والتدهور.

مع وقوع الواقعة، وتحول المخيمات في سورية إلى ساحة صراع نالها ما نال معظم البلدات والقرى والمدن السورية من دمار وقتل وتشريد؛ يكتشف اللاجئ الفلسطيني محنته المركبة، حتى بالمقارنة مع إخوته السوريين، فهو وحده مثل بعير أجرب، لا أحد يريده. الأبواب والحدود مقفلة في وجهه، حتى لو أراد فقط الحفاظ على حياته، وهي أبسط حقوق الإنسان، قبل حقه بالعمل، وحرية التنقل، والتعليم والصحة.. إلخ.

أينما يممت وجهك، أيها الفلسطيني، فالدروب مغلقة، وما عليك إلا أن تلوك أحزانك واغترابك وتصمت!

هذا المقال ظهر أولا على جيرون نت